هل اعتدنا الخطر… أم فقدنا القدرة على الخوف؟
بقلم سارة هنداوي
لبنان حين يتعلّم العيش على حافة المجهول
في كل مرة يعود فيها الحديث عن تصعيد محتمل على الجبهة الجنوبية، يُفترض أن يتغيّر شيء في الشارع اللبناني. لكن في الأسابيع الأخيرة، لم يتبدّل المشهد كثيرًا: المقاهي مكتظّة، الطرقات مزدحمة، والناس يتبادلون الأخبار الثقيلة كما لو أنها جزء من النشرة اليومية للطقس.
ليس لأن الخطر غير موجود، بل لأن لبنان، منذ سنوات، يعيش في حالة تدريب دائم على التعايش معه.
في هذا البلد، لا يأتي الخطر فجأة. يتسلّل بهدوء، يستقرّ في التفاصيل، ثم يتحوّل تدريجيًا إلى عنصر ثابت في الحياة اليومية. نسمع عنه صباحًا، نمرّ عليه على عجل، ونكمل نهارنا كما لو أننا عقدنا معه تفاهمًا غير معلن: أن يبقى حاضرًا… من دون أن يُسقط الإيقاع بالكامل.
تصعيد محتمل.
تحذيرات دولية.
وكلام متكرّر عن حرب لا يريدها أحد، ولا يملك أحد، فعليًا، قرار منعها.
الخوف الذي لم يعد يُعلن عن نفسه
اللبناني اليوم لا يعرّف نفسه كخائف. ليس شجاعة، ولا لا مبالاة، بل لأن الخوف نفسه صار عبئًا إضافيًا لا قدرة له على حمله.
بين انهيار اقتصادي مستمر، غياب أي أمان اجتماعي، ومستقبل معلّق على قرارات خارج الحدود، جرى تهذيب القلق لغويًا، وتخفيف حدّته في الكلام اليومي:
«الله يستر».
«متعودين».
«تمرّق».
لكن هذا الاعتياد ليس علامة تماسك. إنه نتيجة إنهاك طويل.
في بلد طبيعي، هذا الهدوء لا يُطمئن. هذا إنذار.
حين تصبح الحرب احتمالًا لا حدثًا
في دول كثيرة، يكفي التلويح بالحرب لتتغيّر السلوكيات، تُعاد حسابات الناس، وتتحرّك الدولة. في لبنان، الحرب احتمال دائم، يُدار بالكلام أكثر مما يُدار بالسياسات.
وفي هذا السياق، لم تخرج المواقف الرسمية اللبنانية في الأسابيع الأخيرة عن دائرة التحذير اللفظي. رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي كرّر في أكثر من بيان وموقف علني أن «لبنان غير قادر على تحمّل أي حرب جديدة»، داعيًا إلى «تحييد البلاد عن صراعات المنطقة».
بدوره، أكّد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «لبنان لا يريد الحرب»، محذّرًا من أن أي مواجهة واسعة «ستكون كارثية على البلد»، في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي القائم.
أما رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، فكان قد شدّد في مواقف رسمية سابقة على أن «لبنان يدفع دائمًا ثمن صراعات لا قرار له فيها»، في إشارة مباشرة إلى هشاشة القرار السيادي.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أكّد وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال في تصريحات علنية متكرّرة أن «الخيار الوحيد المتاح هو المسار السياسي والدبلوماسي»، محذّرًا من أن أي توسّع في المواجهة «سيضع لبنان أمام مخاطر تفوق قدرته على الاحتمال».
صوت معارض لتعزيز التوازن
مصدر سياسي نيابي متابع صرّح للصحافة مؤخرًا: «الكلام الرسمي لم يعد يكفي، والخطر أصبح ملموسًا يوميًا. المطلوب خطة واضحة لحماية الناس والاقتصاد، لا مجرد بيانات».
مصدر دولي يضع لبنان ضمن المشهد الإقليمي
في تصريح أممي حديث، أكّد مبعوث الأمم المتحدة إلى لبنان أن: «أي تصعيد في الجنوب سيؤثر مباشرة على الاستقرار الداخلي والاقتصاد اللبناني، ويجب أن يبقى لبنان محايدًا في أي مواجهة إقليمية».
بين التصريحات والواقع… فجوة قاتلة
بين ما يُقال في البيانات، وما يعيشه الناس في يومياتهم، تبقى فجوة واسعة. الكلام عن التحييد لا يبدّد القلق، ولا يغيّر واقع بلد اعتاد أن يُترك معلّقًا بين الاحتمالات.
هنا، السياسة لا تطمئن. بل تُبقي البلد عالقًا في مساحة رمادية قاتلة: لا حرب… ولا سلام. ولا حتى طمأنينة مؤقتة.
الخطر الذي لا يُرى
الخطر اليوم لا يكمن فقط في ما قد يحدث، بل في طريقة العيش بانتظاره.
حياة مؤجّلة.
قرارات ناقصة.
مشاريع مربوطة بشرط واحد: «إذا ما صار شيء».
الأطفال يلتقطون هذا القلق من دون أن يفهموه.
الشباب يخفّفون أحلامهم تحسّبًا.
والكبار يتقنون التظاهر بالتماسك… كي لا ينهار كل شيء دفعة واحدة.
هكذا، يتحوّل الخطر من حدث استثنائي إلى حالة نفسية عامة، تُدار بالصبر بدل الحل، وبالتأقلم بدل المواجهة.
حين تُترك الناس وحدها
حين تغيب الدولة كمرجعية حاسمة، وحين تبقى الملفات المصيرية رهينة توازنات إقليمية أكبر من البلد، يُدفع المواطن إلى التكيّف بدل الاعتراض، وإلى الاعتياد بدل المحاسبة.
يتحوّل الخطر من مسألة وطنية إلى عبء شخصي. كل فرد يدير قلقه وحده، بصمته، وبقدرته الفردية على الاحتمال.
وهنا تكمن المعضلة الأخطر: حين يُصبح الصمود خيارًا إجباريًا، لا نتيجة سياسة واضحة أو قرار وطني جامع.
هل اعتدنا الخطر… أم أُجبرنا عليه؟
السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا تمرينًا لغويًا. هو سؤال سياسي وأخلاقي في آن واحد. لأن الاعتياد لا يعني النضج، ولا يعني القوة دائمًا.
أحيانًا، يكون آخر وسائل البقاء.
الاعتياد كآخر وسائل البقاء
لبنان اليوم لا يعيش في أمان، بل في حالة تطبيع خطير مع المجهول.
والأخطر من الحرب المحتملة، أن نفقد قدرتنا على الإحساس بخطورتها.
لأن الخطر، حين لا يعود صادمًا، يتحوّل إلى واقع.
وما يُقبل كواقع، يصعب لاحقًا رفضه… أو الخروج منه.
المطلوب من المسؤولين اليوم ليس مجرد كلام، بل قرار واضح، خطة حماية فعلية، ومحاسبة عن أي تقصير يمنع البلد من الانزلاق إلى ما لا يُحمد عقباه.