لبنان… استقلال يتيم ووطن يئن بلا دولة

 

بقلم سارة هنداوي

استقلال يتيم في عامه الـ82

اثنان وثمانون عامًا على استقلال لبنان… اثنان وثمانون عامًا على طفل كبر وحده، بلا أب يعلّمه كيف يحمي نفسه، وبلا أم تضمّه حين يتعب. في 22 تشرين الثاني، يستيقظ اللبناني كما لو يفتح نافذة على هواء متغيّر. العلم ما زال هو نفسه، النشيد هو نفسه، لكن البلاد لم تعد هي البلاد. نحتفل بالاستقلال وكأنّه حقيقة ثابتة، بينما هو اليوم سؤال معلّق بين سماء ممزّقة وأرض تبحث عمّن يحميها.

لبنان الذي وُلد من رحم نضال حقيقي، يقف اليوم أمام نفسه متعبًا، يشبه رجلاً فقد أوراقه الثبوتية ويبحث عن اسم يعرّفه. الاستقلال الذي كان يومًا مناسبة وطنية صار مجرّد ذكرى تُعزف لها الموسيقى بينما الناس تنظر إلى الأرض، كأنها تعرف أنّ العيد لم يعد عيدًا… وأن الوطن لم يعد ذاك الوطن الذي حلم به الأجداد.

في زمن الأجداد، احتفل اللبنانيون بتحرير أرضهم من الانتداب. في زمن الأحفاد، يحتفل اللبنانيون بمحاولة إنقاذ ما تبقّى من وطنٍ فقد استقلاله الداخلي قبل الخارجي، وفقد دولته قبل أن تفقد مؤسساته.

 

82 عامًا من الاستقلال… والدولة تبحث عن نفسها

منذ إعلان الاستقلال، تعاقب على لبنان 13 رئيسًا للجمهورية، وعشرات الحكومات، ومجالس نيابية تغيّرت وجوهها وبقيت أزماتها. من 1943 إلى 2025، مرّ لبنان في كل ما يمكن لدولة أن تواجهه: حرب أهلية دامت 15 سنة، احتلالات، اجتياحات، وصايات، اغتيالات، انهيارات اقتصادية، انفجار مرفأ دمّر نصف العاصمة، موجات هجرة، نزاعات داخلية، وانفلات أمني على فترات متفرّقة.

لكن بعد كل هذه العقود، يبقى السؤال نفسه يطارد اللبنانيين: كيف لدولة وُلدت من قلب نضالٍ وطني أن تصل إلى عمر الـ82 وهي لا تزال تبحث عن معنى وجودها؟

الرئيس بشارة الخوري قال يومها:

«الاستقلال لا يكتمل إلا بوحدة اللبنانيين.»

واليوم، يسأل اللبناني: أي وحدة؟ وأين الدولة التي وُعدنا بها؟

لبنان الذي حلم بدولة مركزية واحدة أصبح يعيش دولًا داخل دولة، سلطة داخل سلطة، قرارًا يخرج من عشرات الجهات… بينما الشعب ضائع بين الأصوات المتصارعة، بين انهيار مؤسسات وفشل سياسي مستمر.

 

كلام رسمي يواجه الواقع

حتى الرؤساء والحكومات لم يخفوا التحديات، لكن تصريحاتهم غالبًا بقيت كلمات على الورق. الرئيس ميشال سليمان قال سابقًا:

«على الدولة أن تكون على مستوى شعبها، وإلا سيظل الاستقلال ناقصًا.»

والرئيس ميشال عون أضاف:

«نحن ملتزمون بالحفاظ على سيادة لبنان، لكن الطريق طويل ويحتاج إرادة جماعية.»

اليوم، بعد مرور أشهر على انتهاء ولايات متعاقبة دون إصلاحات حقيقية، يفتح المواطن نشرة الأخبار فلا يسمع شيئًا عن الكهرباء أو القضاء أو التعليم، ويبقى العتب على من اختاروا الخطابات بدل القرارات.

 

لبنان 2025… دولة بلا قرار

نصل إلى هذا العام بعد انتخاب رئيس جديد مطلع عام 2025، فيما تبقى الدولة أمام تحديات متراكمة ما زالت تعرقل عودتها إلى انتظامها الطبيعي ودورها الكامل. الكهرباء تتحوّل إلى صدقة، الماء إلى رفاهية، الدواء إلى رحلة، والعدالة إلى حلم. القرارات تُعلَّق، والملفات تُرحّل، والناس تُترَك وحدها في مواجهة مصير كامل.

في 1943، كان الاستقلال إعلانًا للخروج من سلطة خارجية واضحة. أما اليوم، فالاستقلال بات سؤالًا بلا جواب: عمّن يستقلّ لبنان؟ من يمسك قراره؟ من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يقرر حياة الناس وموتهم، معيشتهم وفواتيرهم، تعليم أولادهم أو هجرتهم؟

الاستقلال اليوم ليس احتفالًا… هو ملف مفقود في مكتب دولة لا تعمل.

 

صوت اللبنانيين… شهادات من بلد يتنفس بصعوبة

في الشارع، يسمع الصحافي الحقيقة العارية. سؤال واحد يفتح كل الأبواب: «شو يعني استقلال؟»

شاب في العشرينات يعمل بنظامين وأكثر ليؤمّن بدل إيجار بسيط يقول: «إذا الاستقلال يعني نعيش بلا أمان وبلا مستقبل… خلّونا نرجّع الانتداب يمكن كان أرحم.»

امرأة فقدت منزلها في 4 آب، تقف أمام مبنى نصفه مهدّم ونصفه حياة مؤجّلة: «الدولة أخدت استقلالها… بس نسيت تحمينا.»

سائق تاكسي يلفّ بيروت من الصباح حتى الفجر: «استقلال مين؟ نحن مستقلّين من المصرف، من الطبابة، من الكرامة. هيدا استقلال؟»

أستاذ تاريخ متقاعد، يشرح درس الاستقلال وفي عينيه غصّة واضحة: «يا ريت بقدر قول لطلابي إنو الاستقلال انتصر… بس الحقيقة إنو الدولة خسرت.»

أمّ في الجنوب تخبّئ خوفها تحت صوت القصف: «استقلال؟ يا ريت في دولة تدقّ الباب وتسأل إذا أولادي بخير.»

رجل في البقاع، يحبّ أرضه أكثر مما يحبّ نفسه: «الأرض مستقلة عن كل شي… إلا عن دمّ اللي بيسقيها.»

هذه الشهادات ليست حكايات فردية… هي صورة بلد كامل يعيش الاستقلال كوجع، لا كعيد.

 

بين التاريخ والواقع: مرآة لا تكذب

في 1943، وقف رجال – بشارة الخوري، رياض الصلح، عبد الحميد كرامي، سليم تقلا – في قلعة راشيا، لم ينحنوا، وأمّنوا ولادة دولة. وفي بشامون، وقف مجيد أرسلان وصبري حمادة كي لا تسقط الشرعية. خرج آخر جندي فرنسي في 31 كانون الأول 1946، وكان اللبنانيون يظنون أنّ الجلاء يعني بداية بناء الدولة.

اليوم، بعد واحدٍ وثمانين عامًا، نشهد جلاءً من نوع مختلف: جلاء المواطن عن مؤسساته، وانسحابه القسري من فكرة الدولة نفسها. الدولة تتغيّر، ورؤساء يمرّون، والمشكلة نفسها تبقى… واللبناني يسأل: هل هذه هي الجمهورية التي حلم بها رجال الاستقلال؟

 

تحليل سياسي مركّز: كيف وصلنا إلى هنا؟

الأزمات المتراكمة بين 2019 و2025 لم تأتِ فجأة: انهيار مالي غير مسبوق، انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر نصف العاصمة، تأجيل الانتخابات، فشل خطط الإصلاح، ارتفاع الهجرة، واستمرار الانقسامات السياسية.

كل هذه العوامل خلقت واقعًا يجعل الاستقلال مجرد ذكرى، بينما المواطن يعيش في فراغ مؤسساتي عميق. التحليل يظهر أن الدولة لم تعد قادرة على ممارسة سيادتها كما يفترض أن تكون، وأن الكلام الرسمي يبقى بلا أثر إن لم يترجَم بقرارات فعلية.

في 22 تشرين الثاني، يرفع الناس العلم، لكن خلفه ترى حياة يومية مليئة بالقلق، الفواتير، والأطفال الذين لا يعرفون معنى وطن يحميهم.

 

العتب الذي يشبه حبًا عنيدًا

العتب اليوم ليس على الوطن… بل على من جعلوا الوطن يعتذر من أولاده، على من رفضوا الإصلاح، على من حمّلوا الناس مسؤولية أخطاء السياسة، وعلى من اكتفوا بالخطابات بدل القرارات.

نكتب عن لبنان لأننا نحبه، لا لأنّه دولة كاملة. اللبناني لا يريد الكثير: يريد من الدولة أن تراه، أن تحميه، أن تحاسِب الفاسد، أن تُنصف المظلوم، أن توقف الانهيار، أن ترمّم العدالة.

اليوم، في يوم الاستقلال، نرفع العلم… لكن القلوب تبكي. نحتفل بينما البعض ما زال يهرب من حياته، أطفال يسألون عن معنى وطن لا يجيب، وآباء يودّعون أولادهم بلا أمل.

هذا هو العتب الحقيقي: لماذا خسر اللبنانيون دولتهم؟ ولماذا صار الوطن مجرّد فكرة تُرفع على شرفة وتُطوى مع آخر ضوّ شمعة؟

 

استقلال من دون وطن… ووطن من دون دولة

غدًا، سيرفعون العلم في الساحات، وستعزف الفرقة الموسيقية النشيد الوطني، وستتكرر الخطب نفسها، الكلمات نفسها، الوعود نفسها. لكن خلف المراسم الرسمية يقف شعب واحد، يسأل سؤالًا واحدًا:

هل نحتفل بالاستقلال… أم نبحث عنه؟

لبنان لا يحتاج إلى نشيد أعلى، ولا احتفالات أكبر، ولا أعلام أكثر. يحتاج إلى دولة، دولة تُعيد تعريف الاستقلال بمعناه الحقيقي: حماية شعب، احترام قانون، قرار واحد، سيادة واحدة، مستقبل واحد.

“لنرفع أعلامنا يومًا حين تصبح الدولة على مستوى شعبها… حين يكون الاستقلال ليس ذكرى، بل واقعًا.”