من درعا إلى البقاع: تداعيات التطرف الديني على خاصرة لبنان الشرقية: كلاريتا الغزال

من درعا إلى البقاع: تداعيات التطرف الديني على خاصرة لبنان الشرقية: كلاريتا الغزال

من درعا إلى البقاع: تداعيات التطرف الديني على خاصرة لبنان الشرقية

 

منذ اندلاع الثورة السورية في مدينة درعا عام 2011، دخلت سوريا في مسار دموي طويل، لم يقتصر تأثيره على الداخل السوري فحسب، بل تمدّد إلى الإقليم بأكمله، لا سيما لبنان الذي يتقاطع جغرافيًا وتاريخيًا وطائفيًا مع سوريا. فقد تحولت الحرب السورية إلى مختبر مفتوح للحركات الإسلامية، وخصوصًا الجهادية منها، التي أعادت تشكيل حضورها وأدوارها في المنطقة، مستفيدة من الفراغ السياسي والانهيار المؤسساتي.

قبل عام 2011، لم تكن الساحة السورية تسمح بوجود حركات إسلامية خارج عباءة المؤسسة الدينية الرسمية. غير أن سقوط الحواجز الأمنية والاجتماعية بعد الثورة، فتح المجال أمام تنظيمات مثل “داعش” و”جبهة النصرة” لنشر فكرها العنيف، متبنية مشروع “الخلافة” الذي ارتكز على الإقصاء والتكفير والتطهير. هذه الحركات استفادت من التناقضات الطائفية والدعم الإقليمي، ووجدت في بعض الأوساط الشعبية بيئة حاضنة، خصوصًا بين الشباب المهمش الباحث عن هوية أو انتقام.

ومع تعقّد الحرب وتحوّلها إلى صراع دولي متعدد الأطراف، احتفظت الجماعات الجهادية بوجودها رغم الضربات، وأعادت تنظيم صفوفها في مناطق مثل إدلب، التي تحولت لاحقًا إلى معقل أساسي لـ”هيئة تحرير الشام” – التحالف الذي نشأ عام 2017 من اندماج جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) مع فصائل أخرى. ومع سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، تسلّمت الهيئة الحكم في سوريا كسلطة أمر واقع، وفرضت سيطرة إدارية وأمنية محكمة على العاصمة ومحيطها.

هذا التحوّل لم يكن داخليًا فقط. فنتائجه ارتدّت مباشرة على الحدود اللبنانية-السورية، لا سيما في منطقة البقاع، التي شكّلت دائمًا الخاصرة الشرقية الهشّة للبنان، بحكم موقعها وتداخلها السكاني مع الداخل السوري.

 

منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأ التيار السلفي بالظهور في البقاع، أولًا في شكله الدعوي المرتبط بالمؤسسات الدينية الخليجية، ثم لاحقًا في شكله الجهادي المسلّح، بعد غزو العراق عام 2003 وانسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005. في تلك المرحلة، أنشأ دعاة سلفيون مدارس شرعية في بلدات مثل مجدل عنجر وتعلبايا وسعدنايل وعرسال، جمعت بين التعليم الديني التقليدي والمناهج الحديثة، ما أتاح استقطاب أعداد كبيرة من الشباب، وخلق بيئة مرنة لاختراق الفكر المتطرف.

ومع تصاعد الأزمة السورية، تدفقت الأموال والسلاح والأفكار من خلف الحدود، وتحوّلت بعض القرى إلى منصات لوجستية للفصائل الجهادية، تُهرّب عبرها الذخائر والمقاتلين من وإلى سوريا، خاصة عبر المعابر الجبلية غير الشرعية في القاع وعرسال. في ظل هذا الواقع، بدأت الخلايا السرية تنمو، فظهر جيل جديد من الجهاديين اللبنانيين، بعضهم قاتل في العراق، ثم عاد لاحقًا للمشاركة في الثورة السورية، ضمن صفوف “النصرة” أو “داعش”.

 

مع سقوط النظام السوري في نهاية 2024، دخلت سوريا في مرحلة جديدة من الغموض. انسحاب الجيش النظامي من مواقع أساسية، وصعود “هيئة تحرير الشام” كقوة حاكمة، أنتجا فراغًا سياديًا على الحدود اللبنانية-السورية. وفي الأسابيع الأولى، سُجّلت موجات نزوح جديدة نحو عرسال ورأس بعلبك والفاكهة، خاصة من الزبداني وريف دمشق والقلمون. ترافقت هذه الموجات مع نشاط محموم لشبكات التهريب، التي أعادت تفعيل خطوط الدعم الداخلي، وخصوصًا في قرى البقاع الأوسط.

كما تم رصد تخزين شحنات من السلاح في مستودعات بقرى لبنانية، تحسّبًا لأي مواجهة محتملة مع حزب الله أو مع الجيش اللبناني، الذي كان قد نفذ سابقًا عمليات أمنية موسّعة في عرسال وجرودها. الانقسام عاد بقوة إلى البقاع، بين فئات ترى في “المقاومة” قوة لحماية البلد، وأخرى تعتبر “التحرير الجهادي” فرصة لإعادة رسم المعادلة السياسية والاجتماعية في البقاع، ورفع التهميش عن الطائفة السنية.

المفارقة أن “هيئة تحرير الشام” التي طالما اتُهمت بالإرهاب، باتت اليوم تطرح نفسها كسلطة مسؤولة، وتُجري اتصالات مع أطراف دولية، وتحاول ضبط الفوضى داخل مناطق نفوذها. لكنها، رغم ذلك، لم تنجح في طمأنة الجوار اللبناني، إذ ما زال هناك تخوّف حقيقي من أن تكون بعض الخلايا النائمة قد تلقت توجيهات بالتحرك داخل الأراضي اللبنانية، ضمن معادلات إقليمية معقدة.

 

 

في الجانب الآخر من الحدود، استشعر حزب الله خطورة ما يجري، فعزّز حضوره العسكري والاستخباراتي، ورفع درجة التأهب في قرى مثل اللبوة وراس بعلبك، خشية تكرار سيناريو 2014، حين هاجمت مجموعات متطرفة مراكز للجيش والحزب في عرسال. أبلغت جهات حزبية الأهالي بضرورة الالتزام بإجراءات أمنية مشددة، وجرى تفعيل شبكات الرصد الليلية، كما أقيمت حواجز ثابتة ومتجوّلة.

لكن التوتر انفجر فعليًا في منتصف كانون الثاني 2025، حين اندلعت اشتباكات دامية بين شبّان من عشائر سنيّة ومجموعة مسلّحة يُعتقد أنها تابعة للحزب، في أطراف بلدة الفاكهة. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل شخصين وسقوط جرحى، مما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التفلت العشائري والطائفي، وزاد من هشاشة المشهد العام في البقاع.

 

الجيش اللبناني وجد نفسه في موقف حرج. فبين ضرورة فرض الأمن، وواجب الحفاظ على التوازن الطائفي، باتت حركته محسوبة بدقة. نفّذ سلسلة مداهمات وصادر أسلحة، لكن هذه الإجراءات بقيت دون مستوى التحدي، خاصة مع الاتهامات المتبادلة بين مكونات المنطقة حول التحيّز وازدواجية المعايير. الإعلام زاد الطين بلة، إذ تبنّت بعض المنصات خطابًا طائفيًا حادًا، مما أشعل التوتر أكثر، وفتح المجال أمام خطاب متطرّف يعمّق الانقسام.

 

 

يتضح من مجمل الأحداث أن البقاع اللبناني، بعد سقوط النظام السوري، دخل في مرحلة حساسة. فإلى جانب الهواجس الأمنية، ثمة أزمة هوية سياسية تزداد تعقيدًا مع كل تصعيد. المشاريع العابرة للحدود تتصارع على أرض البقاع: تهريب، تطرف، مقاومة، عشائر، وخلايا نائمة. ولا يبدو أن الدولة تملك حتى الآن خطة شاملة للتعامل مع هذه التعقيدات المتداخلة.

الفراغ العربي والدولي تجاه ما يحدث على الجبهة اللبنانية-السورية يزيد المشهد قتامة. ومع استمرار الانهيار الاقتصادي في لبنان، وتراجع الثقة بالمؤسسات، فإن أي شرارة جديدة قد تعيد إشعال النيران في مثل هذه المناطق. من هنا، يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية ليس في ضبط الحدود فقط، بل في استعادة السيادة على المناطق الهشة، وبناء عقد اجتماعي جديد يمنع تكرار سيناريوهات الحرب بالوكالة أو الانزلاق نحو الفوضى.