بقلم :ماريا بهلوان
لم تعد المدارس في لبنان مجرد مؤسسات تعليمية تؤدي دورها التقليدي، بل تحوّلت في ظل الحرب إلى مساحة صراع يومي مفتوح، يتأرجح فيها الواقع بين البقاء والإنقطاع، وبين الرغبة في التعلّم والخوف المستمر من المجهول. في كل يوم دراسي، يواجه الطلاب والمعلمون تحديات تتجاوز حدود الصفوف، حيث تختلط الضغوط الأمنية بالأزمات الاقتصادية، ويصبح الذهاب إلى المدرسة بحد ذاته إنجازًا في ظل ظروف غير مستقرة.
هذا الواقع جعل العملية التعليمية أقرب إلى محاولة إنقاذ مستمرة لعام دراسي يترنّح على حافة الانهيار، في ظل غياب الاستقرار، وتراجع الإمكانات، وانعدام الرؤية الواضحة لمستقبل التعليم في البلاد. وبين محاولات التكيّف مع الأوضاع المتغيرة والسعي للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية، تبقى المدارس شاهدة على أزمة أعمق تضرب جوهر النظام التربوي وتهدد مصير جيل كامل.
مدارس بين الإقفال والنزوح
مع تصاعد العمليات العسكرية، تعطّل التعليم في مناطق واسعة، خصوصاً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. العديد من المدارس الرسمية تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين، ما أدّى إلى خسارة آلاف الساعات التعليمية وتعطيل البرنامج الدراسي بشكل شبه كامل في بعض المناطق.
في المقابل، تحاول بعض المدارس الخاصة الاستمرار عبر التعليم المدمج (حضورياً وعن بُعد)، لكن هذا الحل لم يكن متاحاً للجميع، ما عمّق الفجوة بين التلاميذ بحسب أوضاعهم الاجتماعية والمناطقية.
مدارس خارج الخدمة… وأرقام تعكس حجم الأزمة
وفق تقديرات تربوية وتقارير ميدانية:
-أكثر من 30% من المدارس الرسمية في المناطق المتضررة خرجت جزئيًا أو كليًا من الخدمة .
-عدد كبير من المدارس تحوّل إلى مراكز إيواء للنازحين .
-آلاف الطلاب فقدوا ما بين 2 إلى 4 أشهر من التعليم الفعلي .
-نسبة الحضور تراجعت في بعض المناطق إلى أقل من 25% خلال فترات التصعي.
اتساع الفجوة التعليمية
تظهر الأزمة بوضوح في التفاوت بين الطلاب:
– طلاب توقّف تعليمهم بالكامل بسبب النزوح أو القصف
– طلاب يتابعون جزئياً عبر الإنترنت
– وآخرون مستمرون بشكل شبه طبيعي
هذا الواقع خلق لامساواة تعليمية حادة تهدّد مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة مع غياب خطة موحّدة واضحة من الدولة.
عام دراسي معلّق
وفق تقارير حديثة، قد يُخصّص شهر كامل فقط لإعادة تأهيل المدارس وعودة النازحين إذا توقفت الحرب، ما يعني أن الوقت المتبقي للتعليم الفعلي محدود جداً.
هذا السيناريو يطرح سؤالاً أساسياً: هل ما زال بالإمكان إنقاذ العام الدراسي، أم أن الخسارة أصبحت حتمية؟
الامتحانات الرسمية… بين الإجراء والتأجيل
في الظروف الطبيعية، تُجرى الامتحانات الرسمية في شهر حزيران، لكن هذا العام يبدو مختلفاً تماماً:
– لا قرار رسمي حاسم حتى الآن
– احتمالات تأجيل إلى تموز
– طرح تقليص المناهج
– نقاش حول إلغاء بعض الشهادات مثل “البريفيه”
مصير هذه الامتحانات لا يزال “في مهب المجهول”، وسط تضارب بين ضرورة الحفاظ على الشهادة الرسمية وبين واقع الطلاب غير المتكافئ.
هل الامتحانات عادلة في زمن الحرب؟
الجدل الأكبر لا يدور حول موعد الامتحانات، بل حول عدالتها:
– كيف يُمتحن طالب حُرم من التعليم لأشهر؟
– هل يُقاس طالب تعلّم عبر الإنترنت بآخر لم يتمكن من الوصول للكهرباء أو الإنترنت؟
– وهل يمكن اعتماد نفس المنهج في ظروف غير متكافئة؟
هذه الأسئلة تضع وزارة التربية أمام اختبار حقيقي يتجاوز التعليم إلى العدالة الاجتماعية.
محاولات للإنقاذ
بعض المؤسسات التعليمية تؤكد أنها أنجزت نسبة كبيرة من المناهج (تصل إلى نحو 80%) عبر التعليم المدمج، مع ارتفاع تدريجي في نسبة الحضور من 20% إلى 80%.
لكن هذه النسبة لا تعكس الواقع العام، إذ تبقى المدارس الرسمية الأكثر تضرراً بسبب نقص الإمكانات والضغط الناتج عن استضافة النازحين.
يواجه لبنان اليوم أزمة تربوية عميقة ومركّبة، تتداخل بشكل مباشر مع تداعيات الحرب والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ما يزيد من حدّة التحديات التي يعاني منها القطاع التعليمي. فقد بات واضحًا وجود خلل كبير في تكافؤ النظام التعليمي، حيث تتفاوت الفرص بين الطلاب بشكل لافت تبعًا للإمكانات المادية والمناطق الجغرافية، الأمر الذي يهدد مبدأ العدالة في التعليم.
وفي ظل هذه الأوضاع، يقف العام الدراسي أمام خطر حقيقي بالتعطيل أو عدم الاكتمال، نتيجة الإضرابات المتكررة، والضغوط الاقتصادية، وانعدام الاستقرار العام. كما يخيّم الغموض على مصير الامتحانات الرسمية، ما يضع الطلاب وأهاليهم في حالة من القلق المستمر وعدم اليقين بشأن مستقبلهم الأكاديمي.
وبين كل هذه التعقيدات، يبقى الطلاب الحلقة الأضعف، إذ يجدون أنفسهم مجبرين على تحمّل تبعات ظروف خارجة تمامًا عن إرادتهم، من أزمات اقتصادية خانقة إلى توترات أمنية، ما يؤثر سلبًا على تحصيلهم العلمي وصحتهم النفسية، ويهدد مستقبل جيل كامل.