بقلم سارة هنداوي
في لبنان، الانهيار لا يطرق الأبواب، بل يتسلل كأشباح الليل، صامتًا لكنه قاتل. لا صفارات إنذار، ولا دمار مفاجئ، ومع ذلك، كل شيء ينهار يومًا بعد يوم. الاقتصاد ينهش نفسه كما لو أن جدران البلاد تُسحب حجرًا بعد حجر، والدولار يتحوّل إلى صرخة هلع، والودائع تتبخر أمام أعين اللبنانيين الذين صاروا متفرجين على موت مدوٍّ لأحلامهم اليومية. كل اهتزاز إقليمي، كل أزمة خارجية، تضرب لبنان بلا هوادة، لتكشف هشاشته أمام العالم… وأمام نفسه.
الدولار… صرخة بلا صدى:
يبدو سعر الصرف ثابتًا، كواجهة هادئة لمحيط من الفوضى. لكن الحقيقة أكثر رعبًا: هذا الهدوء مجرد قناع يغطي اقتصادًا يترنح على حافة الانهيار. السوق اليوم لا يقاس بالقوة الاقتصادية، بل برقصته الهشة بين تدفقات محدودة للدولار وطلب متزايد، في بلد مدولر بالكامل. معظم السلع والخدمات تُسعر بالدولار، بينما الكتلة النقدية في الداخل تطفو خارج النظام المصرفي، كأموال محكومة بالموت البطيء.
أي تهديد خارجي يكفي لكسر هذا التوازن. الدولار هنا ليس عملة، بل جرس إنذار، يصرخ مع كل توتر ويكشف حجم الخوف أكثر مما يعكس أي قوة اقتصادية.
اقتصاد على أجهزة التنفس الصناعي:
لبنان لا ينتج ما يكفي ليحمي نفسه. الاقتصاد يتغذى على تدفقات خارجية، خصوصًا تحويلات المغتربين، شريان الحياة الذي يختنق عند أول اهتزاز. في بلد يستورد أكثر من ٨٠٪ من حاجاته الأساسية، من الغذاء إلى الطاقة، أي صدمة خارجية تكفي لتحويل هذا الاقتصاد إلى رماد سريع الاشتعال.
مع كل تصعيد، يتقلّص هامش الصمود أكثر. السائح يختفي، المغترب يحسب خطواته، والدولار الذي كان يطفو بصمت يبدأ بالانحسار. الانهيار هنا ليس حدثًا مفاجئًا، بل اختناق يومي، ضغط مستمر على كل تفاصيل الحياة، من سعر الخبز إلى فاتورة الكهرباء، وكأن كل شيء يُسحب قطعة قطعة من تحت أقدام اللبنانيين.
من مضيق هرمز إلى بيروت… كل شيء مرتبط:
يبدو المضيق بعيدًا، كأنه لا يعني لبنان. لكن الحقيقة أكثر وحشية. مرور نحو خُمس النفط العالمي عبر هذا الممر ليس تفصيلًا جغرافيًا، بل صمام يتحكم بأسعار الطاقة عالميًا.
في بلد يستورد كل مشتقاته النفطية، يكفي تهديد واحد للمضيق لتبدأ سلسلة ارتدادات لا يمكن احتواؤها: ارتفاع جنوني في أسعار المحروقات، تضاعف كلفة النقل، وتثاقل الحياة اليومية تحت وطأة القلق المستمر. حدث بعيد يتحوّل إلى عاصفة داخلية، واللبناني يشعر بها في كل فاتورة، في كل رحلة من منزله إلى عمله، في كل
محاولة للبقاء على قيد الحياة.
الودائع… استنزاف بلا هوادة:
منذ 2019، الودائع صارت ساحة حرب يومية. القيود غير الرسمية، التراجع الحاد في القيمة الحقيقية بسبب تعدد أسعار الصرف، جعلت أموال المودعين تذوب كثلج تحت شمس لاهبة.
المودع يخسر باستمرار: عند السحب، عند التضخم، وعند غياب أي أفق واضح لاستعادة الحقوق. الأزمة المالية تتحول إلى جرح مفتوح يرافق كل خطوة، كل قرار، كل نفس. مع أي تصعيد جديد، يضيق هذا الأفق أكثر، والسؤال لم يعد “متى تعود الودائع؟”، بل “كم سيتبقى منها إذا عادت؟”. اللبناني يعيش هذا الاستنزاف لحظة بلحظة، كأنه يراقب دماء اقتصاده تُسحب من
جسده تدريجيًا.
دولة خارج اللعبة:
في اللحظات الحاسمة، قوة الدول تقاس بالقدرة على التدخل. لبنان غائب أو عاجز. لا خطة تعافٍ مالي واضحة، لا مسار لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي متعثرة. الإصلاحات الجوهرية غائبة، والمناطق المنتجة تنهار تدريجيًا. كل شيء يُدار بالفراغ، واللبناني يدفع الثمن في كل تفصيل من تفاصيل حياته اليومية، كأن وطنه ينهار أمامه من دون أن يستطيع لمس أي أمل.
لبنان لا يسقط دفعة واحدة، بل يتحلل يومًا بعد يوم. كل أزمة جديدة لا تنهيه، لكنها تقتطع قطعة إضافية من صموده. التوازن هش، وكل محاولة للخروج من الانهيار تصبح أكثر صعوبة.
في بلد يعيش على حافة كل شيء، الانهيار لا يحتاج لحظة فاصلة. يكفي استمرار الحال ليصبح السقوط مسألة وقت.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل ما نراه اليوم مجرد بداية… أم النسخة المخففة لما هو آتٍ بلا رحمة، حيث كل شيء يتآكل تحت أقدامنا دون صراخ؟
رأي خاص