بقلم سارة هنداوي
هل يمكن أن يعيش بلد طبيعيًا بينما قرار الحرب فيه ليس بيد دولته؟
لم يعد السؤال في لبنان اليوم إن كانت الصواريخ ستُطلق أم لا.
السؤال الحقيقي أصبح: من يقرر مصير بلد كامل بالدماء والنار؟
في لبنان، قد يستيقظ المواطن صباحًا ليكتشف أن بلده دخل حربًا جديدة.
ليس لأن البرلمان قرر، ولا لأن الحكومة أعلنت ذلك، بل لأن الصواريخ انطلقت.
بعدها فقط تبدأ الاجتماعات، وتصدر البيانات، ويحاول المسؤولون احتواء ما حدث.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق كل جولة تصعيد هو نفسه دائمًا:
من يملك قرار الحرب في لبنان؟
ليلة أخرى من النار… والسيناريو نفسه
ما جرى ليلًا لم يكن حادثًا عابرًا.
إطلاق الصواريخ وما تبعه من ردود عسكرية أعاد لبنان إلى المشهد الذي يخشاه كل لبناني: الانزلاق إلى مواجهة جديدة بينما الدولة خارج المعادلة.
في كل مرة يتصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا:
صواريخ تنطلق من الأراضي اللبنانية، ثم تبدأ الغارات الإسرائيلية، ثم تتحرك الدولة اللبنانية سياسيًا ودبلوماسيًا لمحاولة احتواء التصعيد.
لكن اللافت في هذا التسلسل ليس فقط تبادل النار، بل ترتيب الأحداث نفسه:
الحرب تبدأ أولًا…
ثم تبدأ الدولة بمحاولة إيقافها.
وهذا وحده يطرح سؤالًا سياديًا لا يمكن تجاهله:
إذا كانت الدولة هي صاحبة القرار، فلماذا تبدو دائمًا وكأنها تلحق بالأحداث بدل أن تقودها؟
قرار الحرب… خارج مؤسسات الدولة
منذ سنوات، يشكل سلاح حزب الله أحد أكثر الملفات انقسامًا في الحياة السياسية اللبنانية.
فبين من يعتبره “سلاح مقاومة”، ومن يراه سلاحًا خارج الدولة يجر البلاد إلى صراعات متكررة، يبقى السؤال الأساسي دون إجابة واضحة:
من يملك قرار الحرب في لبنان؟
الدستور اللبناني واضح في هذه النقطة:
قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة ومؤسساتها الشرعية.
لكن الواقع الميداني يظهر صورة مختلفة.
فعندما تُطلق الصواريخ من الجنوب، لا يكون القرار صادرًا عن مجلس الوزراء ولا عن المؤسسات العسكرية الرسمية، بل عن تنظيم مسلح يمتلك قدرته العسكرية الخاصة ويقرر توقيت المواجهة.
وفي كل مرة تتكرر النتيجة نفسها:
قرار عسكري يُتخذ…
ثم يبدأ لبنان كله بدفع الثمن.
لبنان يملك جيشًا ودستورًا، لكنه يبدو وكأن الدولة موجودة فقط لتوثيق الأحداث. أما الحرب نفسها… فهي توقيت الحزب، قراره، ودماؤنا.
خطاب النصر… وواقع الناس
في كل جولة تصعيد، يسمع اللبنانيون الخطاب نفسه تقريبًا:
الصبر قليلًا… والنصر قريب.
لكن بالنسبة لكثير من العائلات في الجنوب والضاحية، يبدو هذا النصر مفهومًا غامضًا.
فالواقع الذي يرونه على الأرض مختلف تمامًا عن الخطابات.
منازل مهدمة، عائلات تنزح، وقرى تتحول فجأة إلى خطوط مواجهة.
ربما لهذا السبب بدأ كثير من اللبنانيين يطرحون سؤالًا بسيطًا:
إذا كان هذا هو شكل “النصر”… فكيف تبدو الخسارة؟
كل مرة نسمع خطاب “النصر قريب”، وكأن هذا الوطن لعبة أطفال. لكن الصواريخ، النزوح، والدمار؟ هي الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب.
الجنوب والضاحية… مدن تدفع ثمن القرارات
الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ليسا مجرد نقاط عسكرية على الخريطة.
هما مناطق يعيش فيها مئات آلاف المدنيين الذين يجدون أنفسهم، في كل جولة تصعيد، وسط حرب لم يختاروها.
الغارات لا تميز دائمًا بين موقع عسكري وحي سكني، والنتيجة غالبًا تكون واحدة:
دمار، نزوح، وخوف دائم من جولة جديدة.
في الحروب، لا يدفع الثمن السياسيون.
الذين يدفعونه هم الناس العاديون.
الأطفال الذين يختبئون من أصوات الطائرات،
والعائلات التي تترك بيوتها،
والمدن التي تستيقظ فجأة على واقع جديد من الركام.
دولة بقرارين… ومعادلة لا تستقيم
المشكلة في لبنان لم تعد فقط خطر الحرب مع إسرائيل.
المشكلة أن البلد يعيش معادلة غير مستقرة:
دولة لها دستور وجيش ومؤسسات،
وفي المقابل قوة عسكرية تملك القدرة على فتح جبهة عسكرية كاملة.
في مثل هذه المعادلة، تصبح السيادة مفهومًا نظريًا أكثر منه واقعًا سياسيًا.
فالبلد الذي يملك أكثر من قرار للحرب… غالبًا لا يملك قرار السلام.
لبنان في قلب لعبة أكبر منه
لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن الصراعات الإقليمية الأوسع.
لبنان أصبح، عمليًا، جزءًا من شبكة معقدة من الحسابات بين قوى إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها فوق أرضه.
وفي هذه المعادلة، يتحول البلد الصغير أحيانًا إلى ساحة رسائل عسكرية بين أطراف أكبر منه بكثير.
لكن الصواريخ التي تُطلق قد تكون رسائل سياسية…
أما الصواريخ التي تسقط على المدن اللبنانية فهي دمار حقيقي.
حين تصبح الحرب روتينًا
أخطر ما في الحروب المتكررة ليس الدمار وحده.
الأخطر هو أن يتحول الخطر نفسه إلى أمر عادي.
أن يستيقظ اللبناني على خبر إطلاق صواريخ،
ثم ينتظر الغارات،
ثم ينتظر البيانات السياسية…
وكأن هذا التسلسل أصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة.
لبنان يحترق… والسؤال لم يتغير
في النهاية، المشكلة في لبنان ليست فقط في الصواريخ أو الغارات.
المشكلة أن قرار الحرب لم يعد واضحًا لمن يعود.
فالدولة التي يفترض أن تملك هذا القرار تبدو أحيانًا كأنها تحاول فقط اللحاق بالأحداث.
وفي بلد دفع أثمانًا باهظة من الحروب، لم يعد السؤال فقط كيف تبدأ المواجهات…
بل سؤال أبسط وأكثر خطورة:
هل ما زال لبنان يملك قراره السيادي بالكامل…
أم أن الحرب أصبحت قرارًا يُتخذ باسم اللبنانيين من دون أن يُسألوا عنه؟
في لبنان، الحرب تبدأ باسم الشعب… ثم يُترك الشعب وحده بين صواريخ وبيوت مهدمة، بينما القرار الحقيقي يلعب لعبة الاختفاء خلف الخطابات والوعود الكاذبة.