حين يسقط البيت قبل أن يكبر أطفاله

 

 

بقلم سارة هنداوي

 

الانهيار لم يُسمع صوته… الصمت يصرخ

 

لم يكن صوت الانهيار هو الأعلى؛ الأعلى كان الصمت الذي تلاه. صمت البيوت المجاورة، صمت الشارع، وصمت الدولة التي اعتادت أن تصل بعد فوات الأوان. في طرابلس، لم يسقط مبنى فقط، سقطت فكرة الأمان، وسقط معها وهم أن الخطر بعيد، أو أن الانهيار حادث فردي. بين الركام، لم تكن الصورة الأكثر قسوة هي الحجارة المتناثرة، بل ألعاب أطفال خرجت من تحت الإسمنت، كأنها نجت وحدها لتشهد على ما جرى. بعض الألعاب مغطاة بالغبار، لكنها تحتفظ برائحة الحياة تحت سقف هشّ، سنواتٍ لم يمسّه أحد.

 

أحجار ودمى: الركام يحكي قصصًا

فجر الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026، انهار مبنى سكني مؤلف من خمسة طوابق في منطقة القبة شمالي لبنان، واحتجز أفرادًا من عائلة مكوّنة من ستة أشخاص تحت الركام. تمكّن الدفاع المدني من إنقاذ الأم وطفلتها بعد ساعات، بينما بقي الأب وطفلان آخران في انتظار فرق الإنقاذ، في ظل برد الشتاء القارس. هذا المبنى بُني عام 1978 على أعمدة من حديد صدئ وأسمنت ضعيف، وقد صُنّف عام 2010 على أنه مهدَّد بالانهيار وفق تقرير بلدية طرابلس، ولم يُنفَّذ أي إصلاح جذري.

 

أحمد، 36 عامًا، أحد الجيران، يقول في مقابلة مع فريقنا: «كنا نسمع أصوات الحجر وهي تتساقط منذ أشهر. لم نفكر أنه سينهار بهذه السرعة. رأيتُ الأم تحضن طفلتها وهي تبكي، والركام ينهال حولهم». خالد، 12 عامًا، كان يلعب بالقرب من المبنى قبل الانهيار، ويضيف: «الجدار تحرّك فجأة، سقطت بعض الحجارة كأنها مطر. كنت خائفًا جدًا، لن أنسى الصوت أبدًا». سماح، 28 عامًا، أم لطفلين، تقول: «البيت كله يهتز. نصحو كل صباح لنرى أي جدار صامد، وأي سقف يحتاج دعمًا. أحيانًا أضطر أن أُنام الأطفال قرب أمي خوفًا من سقوط شيء على رؤوسهم».

 

في كانون الثاني/يناير وحده، شهدت طرابلس سقوط أربعة مبانٍ أخرى نتيجة تدهور بنيتها التحتية، وفق تقارير الدفاع المدني ووزارة الأشغال العامة. بعضها مُصنَّف خطرًا منذ أكثر من عشر سنوات من دون معالجة جذرية. تقارير حقوقية مستقلة تؤكد أن طرابلس تضم بين 800 و1000 مبنى مهدد بالانهيار، وهو رقم ارتفع بأكثر من أربعة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل عام من الزلزال الذي ضرب لبنان عام 2023. تقديرات أهلية تكشف عن نحو أربعة آلاف مبنى في طرابلس وحدها معرّض للخطر. الخرائط الهندسية القديمة تُظهر أن معظم المباني المهددة بُنيت قبل ستين عامًا على أسس ضعيفة، وأن أكثر من نصفها لم يخضع لتقويم هندسي منذ عام 2010، أي أن أي مطر غزير أو ضغط إضافي على الأعمدة كفيل بإسقاط الجدران… والأحلام معًا.

 

طرابلس تتنفّس عبر الشقوق

في أحياء شعبية مثل باب التبانة، ضهر المغر، والقبة، لا يمرّ يوم من دون أن تظهر شقوق جديدة في الجدران، أو أن تعبّر العائلات عن خوفها من سقوط مبنى آخر. خديجة، 32 عامًا، أم لطفلين، تقول: «ننام ونحن نراقب الشقوق. كل صباح نصحو لنرى إذا ما كانت الحوائط صامدة حتى الغد. نضع الحبال والأخشاب لتدعيم السقف، وأعيننا مفتوحة طوال الليل». الأطفال أصبحوا يعرفون أي جدار أخطر من الآخر، وأي فتحة صغيرة يمكن أن تتحوّل إلى مأساة. بعضهم يرسم على الورق ما يمكن أن ينهار، ويحكي لأصدقائه عن الحوائط المتصدعة. محمد، 10 سنوات، يقول: «أخاف من السقف. أحيانًا أريد أن أنام قرب أمي كل ليلة».

 

سكان الحي يقولون إنهم يعيشون مع صوت التراب المتساقط كل صباح، وكأنهم يتدرّبون على الموت قبل أن يحدث. الركام أصبح جزءًا من حياتهم اليومية، وكل خطوة في الشارع تتطلّب مراقبة دقيقة للأطفال والكبار على حدّ سواء.

 

حياة معلّقة على أعمدة صدئة

بعد انهيار المبنى، أصدرت بلدية طرابلس بيانًا قالت فيه إنها لن تقوم بإخلاءات عشوائية رغم المخاطر الجدية، في إشارة إلى مخاوف السكان. في المقابل، زار رئيس الحكومة موقع الانهيار، ووعد بتطوير خطة شاملة لحماية المباني غير الآمنة، لكنه لم يعلن خطوات ملموسة خارج إطار الكلام. الزيارات الإعلامية الرسمية لم تُحدِث فرقًا. السكان يعلمون أن المباني المتهالكة لن تنتظر الحكومة، ولن تلتزم بوعودها؛ فالموت يتسرّب عبر الحوائط والشقوق قبل أن تصل البيانات الصحافية أو التدابير الرمزية.

 

ميزانية صيانة المباني في طرابلس متوقفة منذ سنوات، والعقود الخاصة بفحص المباني لم تُنفَّذ بسبب الخلافات السياسية الداخلية وفوضى توزيع التمويل. ووفق تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، يعيش آلاف السكان في ظروف تهدد حياتهم، من دون أي حماية أو تعويض.

 

الدولة تغيب… والموت حاضر

ليس السؤال من يوقّع اليوم، بل من ترك توقيع القرارات معلّقًا لسنوات. المسؤولية ليست فردية، بل نظامية. الدولة المركزية لم تنفّذ مسحًا هندسيًا شاملًا للأبنية الخطرة، والبلديات تفتقر إلى موارد وإمكانات فنية حقيقية، والجهات المالكة تُركت مبانيها تتآكل بلا صيانة. كل هذا في مدينة تعيش أعلى معدلات الفقر في لبنان، ما يجعل الخيارات أمام السكان محصورة بين العيش في خطر دائم أو الهجرة إلى المجهول. منازل متهالكة، مدارس مهترئة، مستشفيات قد تنهار، ومواطنون يضعون حياتهم في ميزان الإهمال.

 

الأمان لم يعد موجودًا

الخسارة ليست فقط في الأرواح؛ الخسارة في الطمأنينة. في الطفل الذي سيخاف من جدار، في الأم التي ستنام بعين مفتوحة، في الأب الذي يفكّر كل لحظة: هل سيبقى سقف البيت صامدًا حتى الغد؟ في مدينة تُدرَّب يوميًا على التعايش مع الموت البطيء. وحين يسقط البيت، ما يبقى أعمق من الركام هو فقدان الأمان، والقدرة على الحلم، وحتى على النوم من دون مراقبة الشقوق والفجوات.

 

الأطفال يرسمون بين الأنقاض

العلاج لا يبدأ بعد الانهيار؛ يبدأ قبل ذلك بسنوات. مسح هندسي شامل وفوري للأبنية المهددة، بتمويل حكومي وشفافية كاملة. خطة إخلاء واضحة مدعومة ببدائل سكنية حقيقية. دعم إصلاح وتأهيل المباني التي يمكن إنقاذها. آلية محاسبة نظامية، لا موسمية. وإشراك المجتمع المدني في مراقبة كل خطوة، وإبلاغ السكان بشكل مستمر. لأن كل تأجيل جديد يعني مزيدًا من الركام… ومزيدًا من الخطر.

 

كرة مطاطية بين الموت والأمل

في زوايا الحي، بين الجدران المتصدعة، تجلس الطفلة ليلى، 7 سنوات، على لعبة دبٍّ مغطّى بالغبار. تقول: «هذا هو آخر شيء بقي عندي قبل أن يسقط جدار الغرفة». عيناها واسعتان، لا تُخفيان الخوف من كل حركة صغيرة. صوت الحجر المتساقط أصبح جزءًا من يومها. محمد، 9 سنوات، رسم على ورقة صورة بيته وهو ينهار، مع الشمس فوق الركام والنجوم تراقب من بعيد. يقول: «أريد أن ألعب من دون أن أخاف من السقف. كل يوم أخاف أن ينهار شيء على رأسي».

 

في مدرسة قريبة، تتجمّع الألعاب المكسورة تحت طاولة الصف. الدمى مبتسمة رغم الغبار، كأنها تعرف أن الأطفال لم يعودوا يبتسمون بحرية. أنياب الحوائط المتصدعة تراقبهم، والأنقاض تحجب ضوء الشمس أحيانًا. الآباء يراقبون أطفالهم أثناء اللعب في الشارع بعينين مفتوحتين؛ كل خطوة محسوبة، كل قفزة مدروسة، خوفًا من انهيار جدار أو سقوط قطعة حجر على رأس صغير.

 

حياة معلّقة بين الصمت والركام. حتى اللعب أصبح رمزًا للنجاة. كرة مطاطية مهترئة تتحرّك ببطء بين الأنقاض، كأنها تشهد على الصبر والأمل. أطفال يرسمون جسورًا وهمية بين المباني المهددة، يحاولون خلق عالم مستحيل وسط الانهيار. وكل مساء، حين تغرب الشمس، تصطف الألعاب تحت النوافذ المكسورة كجنود صامتين، تشهد على أن الطفولة في طرابلس لا تزال تحلم… لكنها أحلام معلّقة فوق أنقاض مؤجَّلة.

 

الركام لغة يومية… والطفولة تتحدّث

طرابلس لا تطلب تعاطفًا؛ طرابلس تطلب قرارًا. أن تُعامَل كمدينة تستحق الحماية، لا كحالة تُروى في عناوين الأخبار وتُنسى في اليوم التالي. البيوت التي تسقط اليوم كانت تُصدر صوت هشاشة طويلًا، لكن أحدًا لم يسمع. وفي مدينة لا يُسمع فيها التحذير، يصبح الركام لغة يومية، قبل أن يسقط الطفل ذاته تحت أنقاض تأجيل لا متناهٍ. الأطفال هنا ينتظرون الحياة، في مدينة صامتة… تنتظر من يسمع.