بدأ العدّ العكسي لاختتام الدورة الحادية عشرة من معرض”أرضي”، إيذانًا بمغادرته أرض مجمع سيد الشهداء – الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت، التي عاد إليها هذا العام بعد غيابٍ دام سنتين بسبب الحرب الأخيرة على لبنان.
ليست هذه العودة مجرد استئناف للمعرض ، بل هي تجسيد حي لمبادرة أطلقها السيد الشهيد حسن نصرالله في عام 2007 لدعم الإنتاج الوطني، بعد الغياب الطويل.
وقد عاد المعرض هذا العام بحلة استثنائية، تحمل أثر شهداء جُبلت دماؤهم بتراب أرضٍ أثمرت مؤونة وحِرفاً بنكهة الشرف والرجولة. عاد كالمهاجر اللبناني المشتاق إلى رائحة الأرض وأهلها، حاملاً شعار “الأرض لأهلها”، ليقف رسالة صمود صارخة بوجه العدو الإسرائيلي.
يستقبل “أرضي”، في يومه الثامن، زواره وكأنه يوم العيد الأول. توافد الناس بأعداد قياسية، تجاوزت ال 115,000 زائر من البارحة وحتى الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم، وفقاً لما أفاد به المسؤول الإعلامي لسوق “أرضي” 2025، الأستاذ عادل أحمد. و المفاجأة الكبرى كانت في عدد العارضين الذي بلغ 1,000 عارض، وهو رقم لم يكن متوقعاً أبداً.
داخل المجمع ، تتزين الطاولات بلوحات لونية نابضة بالحياة، من المربيات والزخرفات والمؤونة على أنواعها. يعبق المكان بروائح الزعتر البلدي والصابون والكشك والزيتون لتأسر أنوف الحاضرين.و يقف العارضون بتأهب يرسمون الابتسامة على وجوه الزوار الذين يتسوقون بلهفة شيئاً من أرضهم، فيشترون مرطبان مكدوس من البقاع، وزيتوناً من الجنوب، وإسوارة من جونية، ليحملوا معهم شيئاً من كل لبنان.
على إحدى الطاولات ،تقف الحاجة صفاء من بلدة تبنين الفوقا -بعلبك ، تعرض مكدوساً وشرابات صنعتها بعزيمة وحب، وتخبر زبائنها بابتسامة دافئة عن “جودة لقمتها
الطيبة”، التي تعتبرها “مقاومة بوجه العدو “.
وعلى طاولة مجاورة ، يجلس الحاج محمد إبراهيم بين حِرف خشبية من أشجار زيتون الجنوب الصامد مع إضافات من الرزين صنعها يبديه بكل عزيمة واصرار خلال أيام الحرب . بنظرة تلمع بالغصة والأمل، أكد أن مشاركته للمرة الثالثة هذا العام كانت لتسجيل موقف، قائلاً: “شعرت عند دخولي المعرض بأن كل ألم الحرب قد زال”. مشدداً على أن “هدف العدو الإسرائيلي هو إحباطنا ،وإحباط إبداعاتنا … وهذا المعرض يعد رسالة مقاومة تحمل في طياتها ثقافة حياة وليست ثقافة موت،كما يصفها البعض “.
كما أشارت سمر عيد،إحدى العارضات من معهد بلدية الغبيري للحرف التي تعرض حرفا يدوية ، بأن قدومها كان بمثابة تحدٍ للذين حذروها من المشاركة بسبب سوء الأوضاع و”لأنني من بيروت” كما قالت ، مؤكدة أنها وجدت نفسها سعيدة جداً بين الحاضرين،وفخورة بأنها تحدت الخوف الذي كانوا يزرعونه داخلها .
وأكدت ريموندا أزيلي القادمة من جونية. و التي تشارك للمرة الثالثة، أن وجودها اليوم هنا هو رسالة حب متبادلة بينها وبين الناس هنا .
أما الزوار، كعلي وأصدقائه، فأكدوا أنهم “مكيفين” وأن زيارتهم اليوم تعكس صمودهم بوجه إرهاصات العدو المستمرة.و قالت آية بأن قدومها اليوم إلى المعرض يحمل في طياته تقديرا وفخرا بأهالي الجنوب وخاصة بأهالي القرى الحدودية الذين صمدوا في أرضهم وجهزوا مؤونتهم رغم كل الألم،لافتة إلى أن المعرض هذه السنة هو الأكبر والاجمل منذ زيارتها الأولى له في ال ٢٠١٧.
بينما يتناقص عداد أيام المعرض نحو الختام، يواصل الزوار التوافد، مستفيدين من كل لحظة لخوض هذه التجربة الاستثنائية رغم كل الضغوطات والمعاناة. فمن قلب الضاحية، وتحديداً من مجمع محاط بالدمار، أطلق معرض “أرضي” صوت نبض قلوب الناس، ليصرخ بوجه أصوات المسيرات التي تحلّق يومياً في السماء انه بالرغم من إصابة جسد الضاحية والجنوب والبقاع، الا ان القلب مازال ينبض، وأننا مازلنا أحياء ونحب الحياة، وأن “الأرض لأهلها“.
–آية بلوط