بقلم سارة هنداوي
في زمنٍ صار فيه الصمت موقفًا، والقرار ترفًا، والتفاوض آخر أشكال النجاة…
تجلس الدولة اللبنانية على طاولةٍ لا تشبهها، تحاول أن تشرح ضعفها وكأنّه خيار، وأن تبرّر الصمت كأنه حكمة.
ففي بلدٍ أنهكته الحروب الصغيرة، وضاعت فيه الدولة بين طموح السلاح وصمت القرار، عاد الكلام عن “التفاوض” ليشعل نقاشًا أعمق من كل ما يُقال.
قال الرئيس جوزيف عون مؤخرًا:
“ليس أمام لبنان إلا خيار التفاوض… فعندما لا تؤدي بنا الحرب إلى أي نتيجة، ما العمل؟”
جملة تختصر حال بلدٍ لم يعد يملك ترف الخيارات، ولا توازن القوى، ولا حتى زمن القرار.
من الحرب إلى الحوار الإجباري
لم تكن عبارة الرئيس مجرّد دعوة إلى الحوار، بل إقرارًا صريحًا بأن لبنان دخل مرحلة جديدة: مرحلة المفاوضات المفروضة لا المختارة.
فالحرب التي لم تغيّر شيئًا في موازين الردع، خلّفت وراءها أزمات تتجاوز الميدان إلى عمق الدولة نفسها.
انهيار اقتصادي، انقسام سياسي، وتآكل الثقة الداخلية… جعلت أي خيار عسكري مغامرة غير محسوبة، وجعلت طاولة المفاوضات الوجه الآخر للانهيار.
كما يقول عالم الاجتماع الدكتور نادر فواز:
“الدول التي تفقد أدوات الحسم تبدأ بالبحث عن لغات بديلة للبقاء. التفاوض هنا ليس سياسة، بل آلية دفاع جماعية ضدّ الانقراض.”
حين تُدار الحرب من خارج الحدود
الواقع أن لبنان لم يعد يملك قراره وحده.
فالمشهد الإقليمي يكتب فصول الصراع على أرضه، والمجتمع الدولي يحدّد إيقاع التسويات.
وبين الطرفين، تتقلّص مساحة القرار اللبناني حتى بات التفاوض نفسه يُمارس بالوكالة.
كيف تفاوض دولة لا تملك قرار السلم ولا الحرب؟ وكيف تصوغ شروطها فيما يُرسم مستقبلها في غرف مغلقة بعيدة عنها؟
ما وراء تصريح عون
حين قال الرئيس عون عبارته، كان يعبّر عن لحظة واقعية قاسية يعيشها لبنان في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية وتجمّد جبهات الصراع.
منذ أسابيع، عاد الحديث عن احتمال مواجهة مفتوحة في الجنوب، وسط ضغوط اقتصادية خانقة، ومخاوف من أن يتحوّل لبنان إلى ساحة صراعٍ بالوكالة لا يملك قراره.
تصريحه جاء ردًّا على الأصوات التي طالبت بالتصعيد العسكري، ليذكّر بأنّ الدولة، رغم ضعفها، لا تزال تملك خيار العقل على حساب الدم.
لكن في العمق، كشف حجم المأزق: التفاوض لم يعد خيار القوة، بل خيار العاجز عن الحرب.
المحلّل السياسي جورج طانيوس يرى أنّ:
“التصريح يعكس واقعًا لبنانياً مريراً: نحن أمام سلطة تعرف أن الحرب لن تغيّر شيئًا، لكنّها لا تملك أدوات التفاوض الفعلي، لأنّ القرار موزّع بين أطرافٍ لا تلتقي إلّا على طاولة الأزمة.”
التصريح الذي شقّ السكون
ما إن خرج تصريح الرئيس إلى العلن، حتى انقسم المشهد اللبناني كعادته.
في الضفة الأولى، اعتبر فريقٌ قريب من “حزب الله” أنّ كلام عون “يعبّر عن نضج سياسي وقراءة واقعية للتوازنات الإقليمية”، فيما رأت قوى المعارضة أنّه “إعلان استسلام دبلوماسي” يعكس ضعف الدولة وفقدانها لقرارها السيادي.
الإعلام تلقّف التصريح كعلامة على تبدّل نبرة الدولة، لا سيّما بعد أعوامٍ من الخطاب التصعيدي.
وبين التحليل والنقد، ظلّ الشارع صامتًا لا تصفيق ولا غضب، فقط لا مبالاة متعبة تشبه حال البلد نفسه.
الكاتب السياسي وليد الأسعد علّق قائلًا:
“لبنان لم يعد يسمع التصريحات، لأنّه لم يعد يثق بالنتائج. الناس تريد فعلًا، لا كلامًا. وكلّ تصريح سياسي اليوم يُستهلك بسرعة، كأنّ البلد فقد ذاكرته اللحظية.”
التفاوض كمرآة نفسية لا سياسية
في علم النفس، يُقال إنّ الإنسان الذي يخشى المواجهة يلجأ إلى التفاوض مع ذاته، يبرّر، يؤجّل، يتجنّب الصدام.
لبنان اليوم يعيش الحالة نفسها يفاوض كي لا ينهار، لا كي يتقدّم.
الدولة تفاوض الخارج لتكسب الوقت، والمجتمع يفاوض نفسه ليقنعها أنّ الأمور ما زالت تحت السيطرة.
لكن الحقيقة أنّنا في معركة داخلية أعمق من أيّ جبهة خارجية: معركة البقاء كدولة، كمؤسسات، كهوية.
دولة بلا ورقة ضغط… ومجتمع بلا صبر
لم يعد التفاوض يعني القوّة.
فحين يجلس الضعفاء إلى الطاولة، يصبح التفاهم مجرّد وهمٍ جديد.
الدولة اللبنانية تفاوض من دون أدوات، والمجتمع ينتظر من دون أمل.
الناس تعبوا من صيغ الحوار. لا يهمّهم من يربح في السياسة، بل من سينتصر على الجوع، على البطالة، على الخوف.
حين تفاوض الدولة ضعفها، يصبح المواطن هو الخاسر الأول، لأنّه الوحيد الذي يدفع ثمن الكلمات.
حين تُدار الأزمات بالتأجيل
لبنان اليوم يعيش في مرحلة تفاوضٍ دائم:
مع المصارف، مع المؤسسات الدولية، مع الداخل والخارج، وحتى مع الزمن.
كلّ ملفٍّ مؤجَّل هو ورقة تفاوضٍ جديدة، وكلّ جلسةٍ مؤجلة هي شكل آخر من أشكال الهروب.
التفاوض فقد قيمته لأنّ لا نتيجة تُبنى عليه.
الدولة تتحدّث أكثر مما تفعل، والمجتمع الدولي يسمع أكثر مما يصدّق.
في النهاية، نحن بلدٌ يتقن فنّ الحوار أكثر من فنّ التغيير.
ما العمل؟
السؤال الذي ختم به الرئيس جوزيف عون تصريحه لم يكن سياسيًا بقدر ما كان صرخة وطنية:
“ما العمل؟”
الجواب لا يأتي من طاولة المفاوضات، بل من إعادة بناء فكرة الدولة نفسها.
الخبير في الشؤون الدبلوماسية جهاد مطر يرى أنّ:
“لبنان يحتاج أولًا إلى توحيد قراره السياسي قبل الجلوس إلى أي طاولة تفاوض، وإلّا سيبقى يفاوض من موقع المنقسم، لا من موقع الدولة.”
الحلّ ليس في مزيدٍ من الانتظار، بل في استعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته، وتوحيد الموقف الرسمي، وإعادة تعريف معنى السيادة بعيدًا عن الشعارات.
فالدولة التي تفاوض ضعفها اليوم، إمّا أن تتصالح مع قوّتها غدًا… أو تفقد الحقّ في أن تُسمّى دولة.
سلامٌ معلّق على خيطٍ من صوت
في نهاية المطاف، لا تفاوض الدول ضعفها بالكلمات، بل بالقدرة على النهوض من تحتها.
ربما يكون الحوار اليوم آخر ما تبقّى من وطنٍ أنهكته الحروب،
لكنه أيضًا آخر خيطٍ يربطنا بفكرة الدولة التي لا تزال، رغم كل شيء… تحاول أن تبقى.